أبو علي سينا
222
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
بها قضاء شديد القوة لأنه ليس يقبل ضدها ومقابلها بسبب أن الوهم تابع للحس فما لا يوافق المحسوس لا يقبله الوهم ومن المعلوم أن المحسوسات إذا كان لها مباد وأصول كانت تلك قبل المحسوسات ولم تكن محسوسة ولم يكن وجودها على نحو وجود المحسوسات فلم يكن أن يتمثل ذلك الوجود في الوهم ولهذا فإن الوهم نفسه وأفعاله لا يتمثل في الوهم ولهذا لا يكون الوهم مساعدا للعقل في الأصول التي ينتج وجود تلك المبادئ فإذا تعديا معا إلى النتيجة نكص الوهم وامتنع عن قبول ما سلم موجبة ، وهذا الضرب من القضايا أقوى في النفس من المشهورات التي ليست بأولية ويكاد يشاكل الأوليات ويدخل في المشبهات وهي أحكام للنفس في أمور متقدمة على المحسوسات أو أعم منها على نحو ما يجب أن لا يكون لها وعلى نحو ما يجب أن يكون أو يظن في المحسوسات مثل اعتقاد المعتقد أن لا بد من خلإ ينتهي إليه الملأ إذا تناهى وأنه لا بد في كل موجود من أن يكون مشارا إلى جهة وجوده وهذه الوهميات لولا مخالفة السنن الشرعية لها لكانت مشهورة وإنما يثلم في شهرتها الديانات الحقيقية والعلوم الحكمية ولا يكاد المدفوع عن ذلك يقاوم نفسه في دفع ذلك لشدة استيلاء الوهم . على أن ما يدفعه الوهم ولا يقبله إذا كان في المحسوسات فهو مدفوع منكر وهو مع أنه باطل شنيع ليس بلا شهرة بل يكاد أن يكون الأوليات والوهميات التي لا تزاحم من غيرها مشهورة ولا ينعكس . فقد فرغنا من أصناف المعتقدات من جملة المسلمات
--> الوهم تابع للحس لا يدرك الا المحسوس وإن أدرك غير المحسوس فلا يدركه إلا على نحو المحسوس فيحكم عليه بأحكام المحسوسات فيغلط في حكمه . فان قلت : الحكم على شئ بآخر يستدعى ادراكهما فإذا لم يكن الوهم مدركا للمجردات فكيف يحكم عليها . وأيضا المحمولات في القضايا لا بد أن تكون كلية والوهم لا يدرك الكليات فكيف يحكم بها . فنقول : الحاكم بها والمدرك بالحقيقة هو النفس والوهم والعقل آلتان لها في الادراك والحكم الا أن الوهم شديد العلاقة بالنفس فالنفس تستعمله في غير المحسوسات استعمالهما إياه في المحسوسات فيقع في الغلط وتعرف كذب الوهم بأن تساعد العقل في مقدمات ينتج نقيض حكمه مثلا يحكم بأن كل موجود محسوس ويسلم أن للمحسوسات مبادئ وأن مبادئ المحسوسات قبل المحسوسات وما يكون قبل المحسوسات لا يكون محسوسا وكذا يسلم أن الوهم نفسه وأفعاله موجودة وغير محسوسة وإذا وصل إلى النتيجة امتنع عن قبولها ومن دفع عن القضايا الوهمية لا يكاد يقاوم نفسه حيث صارت منقادة له أشد الانقياد . م